لهجات عربية شمالية قبل الإسلام
(*)
للأستاذ أنوليتمان
عضو المجمع
قال الأستاذ المشهور ( أغناطيوس غويدي ) - رحمة اللـه تعالى – في كتابه المسمى بـ " المختصر في علم اللغة العربية الجنوبية القديمة " ما يأتي:
اعلم أن معرفتنا للسان الذي كان أهل جزيرة العرب الجنوبية يتكلمون به قبل الإسلام إنما هي من النقوش، وكان هذا اللسان يشمل لهجات شتى: أي المَعِينية والسَّبئِيّة والقَتَبانِيّة والأَوْسَانِيَّة والحضْرَمِيَّة وغيرها، ونحن نعرف أن تلك اللهجات قريبة من اللهجات الحبشية السامية، ونعلم أيضًا أن هناك فرقًا بين العربية الجنوبية والعربية الشمالية، أما الشمالية فأشهرها اللغة العربية الفصيحة، التي هي لغة القرآن الشريف، ولغة التأليف، ونعلم غير ذلك أن للغة المتكلم بها بين الأمم العربية والمتعربة لهجات كثيرة، في عصورها القديمة والمتوسطة والحديثة، كما حدثنا بذلك النحويون وعلماء اللغة، فقد رووا لنا كلمات وصيغًا مختلفة كانت مستعملة في اللهجات القديمة .
وكما أن النصوص التي حفظت لنا اللهجات العربية الجنوبية هي النقوش ، كذلك الحال في اللهجات العربية الشمالية، التي نستطيع أن نميز بين أربعة أنواع منها، وهي اللّحيانية والثمودية والصَّفَوِية والنَّبَطية . وتمتاز اللهجات الثلاث الأولى بخطوطها المشتقة من الخط العربي الجنوبي، بخلاف اللهجة الرابعة المنقوشة بخط آرامي، كما تمتاز اللّحيانية والثمودية والصَّفَوِية أيضًا باشتمالها على كلمات وصيغ مخصوصة ، لا تختلف كثيرًا عن اللغة العربية الفصحى، على حين أن النَّبَطِية هي لهجة آرامية اختلط بها صيغ وكلمات عربية، لأن الناس الذين كتبوها كانوا من العرب العاربة، وأخذوا لغتهم المكتوبة وخطهم المكتوب من الآرام، ولما كانت لهجتهم المتكلم بها هي أقـرب اللهجات العربية إلى لغـة الحجاز استطعنا أن نفهم بسهولة اشتقاق الخط العربي مـن
الخط النَّبطي.
ــــــــــــــ
(
*) نشر البحث بمجلة المجمع – الجزء الثالث ص 247 – 253 .
وقد سمى العلماء تلك اللهجات العربية الشمالية القديمة بالأسماء المذكورة للأسباب الآتية:
سميت النقوش اللّحيانية بهذا الاسم؛ لأنه ذكر فيها بنو لحيان، والثمودية لشهرة بني ثمود قبل الإسلام في نجد وشمال جزيرة العرب. أما الصَّفَوِيَّة فاسمها مأخوذ من جبل الصفاة، الموجود في بادية الشام، وقد ذكره جرير في بيت أشار إليه المبرد في كتاب الكامل ( ص468 من طبع الأستاذ رايت Wright ) وهو كما يأتي :
هَبَّتْ شَمالاً فِذكْرى مَا ذكَرْتُكُمُ عنْدَ الصَّفَاةِ إلى شَرْقِيّ حَورَانَا
وهو جبل وعر، ليس به دَيَّار، ولا نافخ نار، وأنا لم أجد به نقشًا واحدًا صَفَوِيًّا، وقد وجدت الآلاف منها بالحرة الواقعة بين حَوارن وجبل الصفاة، وقد اقترح مقترح أن تسمى بالنقوش الحرّية، ولكن كثرة الحرّات في الجزيرة العربية مما يجعل هذه التسمية موضعًا للبس، ولذلك اتفق العلماء على تسميتها بالنقوش الصفوية، نسبة إلى جبل الصفاة، الذي هو علم تلك الناحية .
أما الفرق الخاص الذي يفرق بين هذه اللهجات فهو أداة التعريف، التي هي في الثمودية والصَّفَوِية ( الهاء )، وفي العربية النبطية ( الألف واللام )، فنستطيع أن نفرق إذن بين لهجات الهاء ولهجات الألف واللام، مثال ذلك ( هـ م ل ك ) عند أهل ناحية الصفاة بمعنى الملك، ولكن كان النبط يستعملون الألف واللام مع الكلمات والأسماء العربية المعرّفة .
والآن أذكر على سبيل المثال النقشين الصفويين الآتيين اللذين وجدتهما ونسختمها في الحرّة .
ل غ س م ب ن ش م ت ب ن خ ل أ ل ب ن ب ن ت و ح ل ل هـ د ر س ن ت ق ن س هـ م ل ك أل ع و ذ و خ ر ص أ ش ى ع هـ أ س ر ت ف هـ ب ع ل س م ن ر و ح ل ذ غ ن ظ .
وترجمته بالعربي الفصيح كما يأتي
:
لغاسم بن شامت بن خلِّئِيل
( أي خليل الله ) بن بانت وحل بالدار (أي المنـزل) سنة قنس ( أي قاصَّ أو طلب دية ) الملك آل عويذ ورصد الأشياع الأسيرة ( أي الأصحاب الأسرى ) فيا بعل السماء رواحًا للذي غنظ .
نقش آخرل ب د ر ب ن أ ص ل ح ب ن أ ب ج ر و ش ت ى هـ د ر و ذ ب ح ف هـ ل ت س ل م
وبالعربي الفصيح كما يأتي:
لبدر بن أصلح بن أبجر وشتا بالدار وذبح فيا اللات سلامًا.
وقد اخترت هذين النقشين لاشتمالهما على خصائص لغوية شتى، منها ما يتعلق بأسماء الرجال، وأسماء الآلهة، والاسم الموصول، وأداة التعريف، وإضافة المنعوت إلى النعت، ومعاني بعض الكلمات وصيغها، وقد كتب بعض هذه الأعلام بحروف يونانية، في نقوش يونانية مثلاً شامت وبانت Bavaoosوأبجر aByaoos وهذا الاسم الأخير مشهور جدًّا، وكان اسم تسعة من ملوك ( الرُّها ) المدينة المعروفة بالجزيرة، وقال ابن دريد في كتاب الاشتقاق ( ص 208 من طبع الأستاذ فيستنفلد wuestenfeld ): وبُجَيْر: تصغير أبجر، فمن ولده حَجَّار بن أبجر بن بجير، وكان شريفًا أدرك الإسلام ، وأسلم على يد عمر رضي الله عنه. واللات واردة في سورة النجم، وفي كتاب الأصنام لابن الكلبي. و( بعلسمين ) اسم آرامي معناه رب السماء، أخذه أهل ناحية الصَّفاة من أهل سورية، وهو معروف أيضًا عند النَّبط، ولكن اسمه الأصلي ( بعلشمين ) بالشين لا بالسين، وكتابته بالسين تدل على أن نصف هذه التسمية معرّب، ويظهر من كلمة ( هملك ) الذي هو ملك الروم أي قيصر أن الهاء في هذه اللهجة هي أداة التعريف، كما هو الحال في العبرية، ونحن نعلم أيضًا أن الحرف التالي للهاء كان مشددًا عند العبرانيين وعند أهل اللهجة الصَّفَوية ، وذلك يتضح لنا من نقش يوناني ورد فيه اسم Auuaoixosوهو بالصفوى هـ م س ك ham- mâsik وبالعربي ( الماسك ) ولكن ورد بعض الأسماء في نقوش يونانية أخرى هكذا Aλavoos, AλaBδosيعني الأوس والعبد، وهما معرفتان بالألف واللام، ثم إنه ورد: روح ل ذ غ ن ظ، أي: (رواحًا للذي غنظ)، ومن هنا نعلم أن الاسم الموصول كان (ذ) كما هو الحال عند عرب طيئ في قديم الزمان، ولكنا لا نعلم صرف تلك الذال ولفظها أكان ذو، أم ذي؛ أم ذا ، وترجمت ( أ ش ى ع هـ أ س ر ت ) بالأصحاب الأسرى، معتبرًا أن صيغة المنعوت مضافة إلى النعت، كما هو الحال في العبري المتأخر ، وكثيرًا ما يحدث ذلك أيضًا في الحبشية، وفي بعض اللهجات العربية، فيقال مثل جبل الأحمر، عوضًا عن الجبل الأحمر، ونقرأ في النقش الثاني كلمة ( ش ت ى ) بمعنى شتا، وبيان ذلك أن الفعل الناقص له في الصَّفَوية صيغة واحدة فقط، وهي أن لامه دائمًا ياء، وهذا التغيير نصادفه في لهجات ولغات سامية كثيرة، ويتضح لنا أيضًا أن الفعل الناقص يصرف في الصَّفَوية مثل الفعل السالم أي شَتَىَ أو شَتَىْ. لو كان لفظه شتا لكتب ( ش ت ) كما يكتب ( ع ل ) بمعنى، و(أ ل) بمعنى إلى، وترجمت كلمة قنس بـ (قاص) وكلمة خرص بـ ( رصد ) ، وذلك لأن قنس وردت بذلك المعنى أيضًا في العبري المتأخر، وقد اشتقت من لفظة يونانية أصلها باللاتينية، وأما خرص فمعناها محزور، ونحن نعلم أن خرص بالعربية الفصحى معناها ظن الشيء وخرص العدد حزره، وقد ورد في النقوش الصَّفوية ( خ ر ص هـ ش ن أ و خ ر ص أ ب هـ و خ ر ص أ ش ى ع هـ ) يعني خرص الشانئ أي العدو، وخرص أباه، وخرص أصحابه. ويخيَّل إليَّ أنه من معنى خرص العدد: أي حزره، اشتق معنى خرص البُعْد والمكان، يعني بُعد العدو، أو مكان أبيه، أي حزره راصدًا؛ فليجمل هنا شيء من نحو اللهجة الصَّفوية :
الحروف كلها كما هي في العربي الشمالي عددًا، ولكن من المحتمل أن الضاد كانت تلفظ مثل لفظ الظاء عند الأعراب، وليس مثل لفظ التجويد ، وأن الظاء كانت تلفظ مثل الثاء المفخمة. والألف كانت تقلب واوًا في بعض الكلمات مثلاً(و ن س) بمعنى أنس، و ( و د م ) بمعنى أدم، و ( م و ر ب ) بمعنى مؤارب، كما يقال ( واكل ) بمعنى آكل في اللهجات العربية الحاضرة. ولا يدغم الحرف الثاني مع الثالث في الأسماء المشتقة من الفعل المضاعف، خلافًا لأكثر اللغات السامية، مثلا (ظ ن ن) وهو اسم رجل مكتوب في النقوش اليونانية هكذا lavevos، ومن هذا يستدل أن نطق هذا الاسم كان ظانن كما يقال في اللهجات العربية ( مادد ، وضالل ) الخ . وكذلك نجد من بين الأسماء الواردة في النقوش الصفوية ( أ ب ل ل و أ ج م م ، و أ ر ت ت ) . والأول منها ( أبلل ) معناه: الأبل، والثاني والثالث اسمان معروفان عند العرب؛ إذ ذكر المقريزي الأجم بن درماء في ( البيان والإعراب عما بأرض مصر من الأعراب ص 46 من طبع الأستاذWuestenfeld ) ونجد في نقش يوناني Ayụaụosعند أهل حوران. وأرتت معناه الأرت، وهذا هو اسم ورد ذكره في كتب مختلفة، خصوصًا في كتاب الاشتقاق لابن دريد ( ص 235 و 227 من طبع Wuestenfeld ) وكذلك وجدت ( أخفف، وأشدد ) في لهجات عربية، عوضًا من أخفّ وأشدّ. أما الحركات فليس لها علامات، لا للفتح ولا للكسر أو للضم أو للإشباع أو لاتحاد الفتحة والواو والياء. مثل ذلك در أي دار، و م ق م أي مقيم، و ر م أي روم، و ب ن أي بين، و ك ن أي كون. ويوجد إله مشهور عند أهل تدمر وعند النبط يسمى شيع القوم، قيل عنه إنه لا يشرب خمرًا، أي أنه لا يقرب له خمر، وإن عابديه لا يشربونها. وهو يكتب في الصفوية هكذا ش ع هـ ق م. ومن الواضح أن الاسم كان يلفظ shêhag-gôm . وفي لهجات عربية كثيرة يلفظ ê و ô عوضًا عن ayو aw .
اسم الإشارة
:
كان ( ذ )، والمظنون أن لفظه كان ( ذ ) وكان يتبع المشار إليه، لا يتقدمه نحو ( ج و ذ ) بمعنى هذا الوادي، كما يقال ( النهار ذا ) عوضًا عن هذا النهار، وكما قيل في العربية الجنوبية ( هجران ذان ) بمعنى هذه المدينة، أما الاسم الموصول فكان أيضًا ( ذ ) والمظنون أنه كان يلفظ ( ذو ) موافقًا ( ذو ) الطائية المومأ إليها سابقًا، ومثالها بيت في حماسة أبي تمام ( ص 292 من طبع قريتاغ Freytag ) وهو " وبِئرِي ذو حفرت وذو طويت " .
وقد تكلمنا عن الأفعال الناقصة، وذكرنا ( ش ت ى ) بمعنى شتا، وفي النقوش الصفوية أيضًا ( ب ن ى ) أي بنى، و ( أ ت ى ) أي أتى، و ( ن ج ى ) أي نجا، و ( ر ع ى ) أي رعى، و ( د ع ى ) أي دعا، بمعنى حفظ أو حمى. وبعض الجمل التي وردت فيها هذه الأفعال هي كما يأتي :
( ن ج ى م ن ر م ) : أي نجا من الروم . ( ن ج ى م ن هـ س ل ط ن ) : أي نجا من السطان ( يعني دولة الروم ). ( ن ج ى م ن م ر ت هـ س ل ط ن ع ل أل ع و ذ ): أي نجا من نمارة السلطان على ( يعني إلى ) آل عويذ . ( ر ع ى هـ ض أ ن ). أي رعى الضأن . ( ر ع ى هـ أ ب ل ): أي رعى الإبل ( ر ع ى هـ م ع ز ى ): أي رعى المعز . ( ر ع ى هـ ب ق ر ): أي رعى البقر. وقيل في نقش من النقوش ( و ر ع ى هـ أ ب ل س ن ت م ر ق ن ب ط ج و ذ ) أي رعى الإبل سنة مر النَّبَط بهذا الوادي. وكلمة مرق معناها: مر، كما هي في اللهجات العصرية. ونجد فعل ( د ث أ ) بمعنى: ارتبع مشتقًّا من دثأ، وهو الربيع عند عرب الجنوب. ثم كلمة ( ن خ ل ) بمعنى واد، كما هي في العبرية والسريانية، وكلمة ( م د ب ر ) بمعنى البادية، كما هي أيضًا في العبرية والسريانية .
ونستنتج من كل ما ذكر أن دراسة اللهجات العربية قديمها وحديثها تساعدنا كثيرًا على درس أصل العربية وتاريخها .
* * *
التميميون ومكانتهم في العربيّة
(*)
للدكتور أحمد علم الدين الجندي
خبير بلجنة اللهجاتنسبها:
من أكبر القبائل العربية العدنانية، وتنتسب كما يقول القلقشندي(1) إلى تميم ابن مُر بن أُدّ بن طابخة، ويتصل النسب بعد ذلك إلى إِلْياس بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان .
منازلها
:وكانت منازل تميم بأَرض نَجْد دائرة من هنالك على البصرة واليمامة، وامتدت إِلى العُذيْب(2) من أَرض الكوفة، ثم تفرقوا بعد ذلك في الحواضر، وورث منازلهم ( غَزيَّة ) من طيِّئ وخفاجة من بني عُقَيْل بن كعب(3)، وقد كانت القبيلة تسيطر على جزءٍ كبير من نَجْد، إِذ كان يجاورها من ناحية الغرب قبائل ( أَسد ) شمالاً، وقيس جنوبًا، وفي الجنوب أَيضًا بنو حنيفة من بكر بن وائل، وعبد القيس من جَديلَة، ويحدثنا البكري في معجمه أَن أَبناءَ أُدّ ومنهم تميم " نزلوا إِلى بلاد نجد وصحاريها، فحلوا منازل بكر وتغلب … ثم مضوا حتى خالطوا أَطراف هجر، ونزلوا ما بين اليمامة وهجر" (4)كما نفذت بنو سعد بن زيد مناة بن تميم إِلى يَبْرين وتلك الرمال حتى خالطوا بني عامر بن عبد القيس في بلادهم قطر، ووقعت طائفة منهم إلى عمان، وصارت قبائل منهم بين أَطراف البحرين إِلى ما يلي البصرة. فلما جاء الإسلام وأَشرقت شمسه كانت " تميم كلها بأَسرها باليمامة "(5) .
ــــــــــــ
(
*) نشر البحث بمجلة المجمع، بالجزء الخامس والعشرين، ص 195 _ 176 .
() نهاية الأرب : 188
(2) ماء لبني تميم على مرحلة من الكوفة . اللسان 2/ 75 .
(3) صبح الأعشى : 1 / 347
(4) معجم ما استعجم : 1 / 88
(5) المرجع السابق : 1 / 90
بطونها
:ومن بطونها: زيد مناة، وعمرو بن تميم، والحارث بن تميم، وأَولاد عمرو بن تميم: العنبر بن عمرو، والهُجيم ، وأُسيِّد ومالك، والحارث، وهو الذي يقال لأَولاده " الحَبطات " كما أَن من بطونهم بني ثعلبة بن يَرْبوع بن حنظلة، وبني رياح().
تاريخها
:امتازت تلك القبيلة بمجدها القديم، وعزها الطريف، وسطوتها بين قبائل العرب، وقد ساق المؤرخون كثيرًا من أَيامها وحروبها: كيوم النِّسار()، ويوم الجِفَار() وكان بعد النِّسار بحول، وهو بين بكر وتميم، ويوم رَحْرحان() ، ويوم الزَّخيخ وهو لتميم على اليمن. وروى الهيثم بن عديّ عن عوانة قال: سأَل زياد دَغْفلاً عن العرب، فقال : " الجاهلية ليمن، والإِسلام لمضر، قال: فَخبرني عن مضر، قال: فاخر بكنانة، وكابر بتميم " (). كما اتصفت تميم بأَنها من " الصميم() " أَي صميم العرب.
ولا نستطيع أَن نرتقي بتاريخ تميم عن القرن السادس للميلاد، فليست لدينا مواد تاريخية موثوقة تصلنا إِلى ما قبل ذلك، ويظهر أَن بعض تميم قد اعتنقوا المسيحية كما اعتنق بعضهم المجوسية، ومن هؤلاء زُرَارة بن عُدَس التميمي وابنه، والأَقرع بن حابس، ولما أَشرق الإِسلام ظلت تميم بعيدة عنه، حتى قدم على النبي ( e) سنة 9 هـ وفد بني تميم وهم سبعون، وهم الذين نادوا رسول الله من وراءِ حجراته: أَن اخرج إِلينا يا محمد ، فتأَذى الرسول من صياحهم فخرج إِليهم، فقالوا: جئناك لنفاخرك فأذن لشاعرنا ، فقام عُطارد وقال:" الحمد لله الذي له علينا الفضل – وهو أَهله – الذي جعلنا ملوكًا ووهب لنا أَموالاً … وجعلنا أَعزَّ أَهل المشرق، وأَكثره عددًا فمن مثلنا في الناس؟ أَلسنا برؤوس الناس وأُولى فضلهم ؟" () وهذا الوفد هو الذي نزل فيه قوله تعالى :]إن الذين ينادونك من وراءِ الحجرات أَكثرهم لا يعقلون [ ()، وفي قراءة عبد اللـه بن مسعود " وأَكثرهم بنو تميم لا يعقلون "() . وذلك يشير إلى أَن البداوة كانت أَصيلة فيهم للنـزق والطيش .
ما نزل فيهم من القرآن
:]ولو أنهم صبروا حتى تخرج إِليهم لكان خيرًا لهم[ ()حتى كابروا وطلبوا أَن يفاخروا رسول الله ( e)، وإِذا كانوا يتَّسمون بالشدة والغلظة في المحسوس من أمورهم كالأَصوات والأَقوال حتى إِن اسم " تميم " قد اشتق من الصلابة والشدة ()، فإنهم أَشد وأغلظ في خفيات الأُمور ودخائل النفوس، أَلا ترى إلى قوله تعالى: ]الأَعراب أَشد كفرًا ونفاقًا [ ()، ثم نزلت فيهم آيات أُخريات من كتاب الله ()، وهي تؤكد غطرستهم وصلفهم، ولهذا ارتدت تميم عقب وفاة النبي ( e) وادعت سَجَاح بنت الحارث منهم النبوة، فتبعتها تميم، وكانت لها جولات في اشتباكها مع الجيوش الإِسلامية حتى اندحرت أَخيرًا على يد خالد، ولكن بعد أَن أَظلتها راية الإسلام ثانيًا كان معظم الوحدات الحربية التي تحركت شرقًا نحو فارس ثم خراسان، ثم إلى إِفريقية غربًا بزعامة إِبراهيم بن الأغلب الذي أرسى قواعد أسرة الأغالبة في إِفريقية – يغلب عليها النسب التميمي، وفي سنة 14هـ أَمدّ عمر بن الخطاب سعد بن أَبي وقاص في مواقعه بثلاثة آلاف بطل تميمي، يؤكد بطولة تميم هذه ما جاءَ عن ابن حزم من أَنها " قاعدة من أَكبر قواعد العرب" (1) وأَمنع قبائلها .
شعراؤها
:من أَشهر شعرائها: أَوس بن حجر، وعَلْقمة بن عَبدة التميمي، وسلامة بن جندل، أَحد نعات الخيل، ومالك ومُتَمم ابنا نويرة (2)، وسُليْك بن سَلكة وهو من صعاليك العرب، والعجاج ملك الرجز في العصر الأموي، والفرزدق وجرير، ومعروف ما كان بينهما من تصارع وتنافر حتى كانت "النقائض" بينهما سجلاً خالدا لأَيامهم ومآثرهم، وفوق هذا كانت معلمة كبرى في تاريخ الأَدب، فجمعها أَبو عبيدة، وفسّر مفرداتها، ووضح علاقتها بالأَدب واللغة والحياة العربية .
خطباؤها
:ومن أَشهرهم: الأَحنف بن قيس، وأَكثم بن صيفي حكيم العرب في الجاهلية، وحاجب بن زُرارة، وكان عضوًا في الوفد الذي أَرسله النعمان بن المنذر إِلى كسرى، والأَقرع بن حابس .
علماؤُها
:ومن أَعلامهم في الثقافة: أَبو عمرو بن العلاءِ 154هـ، وهو مفخرة العربية، والأَخفش الأَوسط 215هـ إِمام اللغة في البصرة، وابن ولاَّد النحوي 332هـ .
وكانت تميم – لما لها من نفوذ وصولة – تتولى القضاءَ في الأَسواق العربية، يقول القلقشندي: " وكان الذي يقوم بأَمر الحكومة فيها من تميم "(3)، وفي ذلك يقول شاعرهم :
ونحن الحاكمون على عكاظ كفينا ذا الجزيرة والمصابا
ــــــــــــــ
()
جمهرة أنساب العرب: 196.
(2) الشعر والشعراء: 119
(3) نهاية الأرب : 464 .
وهذا المجد يفسره ما جاءَ في اللسان() في حديث القبائل عندما سئل السائل عن مُضَر، فقال : تميم بُرْثُمتُها وجُرثمتُها، أَي خلاصتها.
وبعد
:
فهذه نبذة قصيرة من صفحات التاريخ سجلها عن تميم، وما كان لها من دور مهم في مملكة الشعر والأَدب، أَما دورهم في الحياة اللغوية فنصوره في هذه الخطوط العريضة .
حياتها اللغوية
:
روايات وشواهد
:1- قال الأَصمعي:"والعرب لا تروي شعر أَبي دُاود وعدي بن زيد، وذلك أَن أَلفاظها ليست بنجدية "() . والعلماءُ كانوا يريدون ( بنجد ) عند إطلاقها – تميمًا، فكأن الأَلفاظ التميمية هي القياس والحكم على اللغة .
2- يرى سيبويه في ( ما ) الحجازية والتميمية " أَن الحجازية أكثر استعمالاً وإِن كانت التميمية أَقوى قياسًا "، ويصف الفراء لهجتهم في كتاب ( معاني القرآن ) بأَنها أَقوى الوجهين في العربية(). ومما يحسن الإِشارة إِليه ما روي من أن رجلاً طلب من محبوبه أَن ينتسب إِلى قبيلته، فلم يجبه وإِنما أَشار إليه بأثر لهجي يفهم منه قبيلته –تظرفًا - في قوله:
ومُهفهفِ الأَعطاف قلت له انتسبْ فأَجاب ما قَتْل المحب حرام
()
فأَفاد بأَنه من تميم، لأَنها ترفع خبر
( ما ).
3- وكثيرًا ما كان يجتمع السماع والقياس والإِجماع على تأَييد لغتهم() .
4- أَن أَبا زيد الأَنصاري كان يطـوف في قبائل تميم وفروعها إِذا حزبه أَمر لغويّ، فلا يسأَل إلا هذا الحيّ من العرب، ولقد طاف مدة طويلة يسألهم عن باب ( فعل يفعل ) ليعرف ما كان منه بالضم أولى، وما كان منه بالكسر أولى() .
5- وكانت لهجتها لهجة عامة العرب، ذكر الأخفش أَن كل من ورد علينا من الأعراب لم يقل إِلا ( تِعلم ) بالكسر. قال: نقلته من نوادر أَبي زيد (). وهذه اللغة هي لغة تميم ... وعامة العرب، كما زعم سيبويه () .
6- اقتبس السيوطي في المزهر جانبًا من نوادر يونس بن حبيب 182هـ، كما أَورد عدة اقتباسات من نوادر أَبي محمد اليزيدي 202 هـ ، وجميعها تشير إِلى مقابلة الصيغ بين الحجاز وتميم على مستويات مختلفة، وهذه المقابلة تؤكد أَن تميمًا تقف في وجه الحجاز في ثبات وقوة، كما نلمح إشارات تصف لهجة تميم في بعض الصيغ بأَنها لهجة " سائر العرب "() .
مكانة اللهجة بين اللهجات العربية
:1- مما يقوي مكانة تميم في العربية ما جاءَ في حديث() رسول الله ( e ) من أَنه ورد عليه الوفود، فأَقرأَ الأَخماس() كلّ خمس على لغته، فكان أَعرب القوم تميم .
2- يقول ابن العلاءِ: "أَفصح الناس عليا تميم ..." ()وفي رواية"سفلى تميم() ".
3- وذكرت تميم في قائمة القبائل التي اعتمد عليها الرواة في مادة اللغة و"عنهم أكثر ما أخذ ومعظمه، وعليهم اتّكل في الغريب، وفي الإِعراب والتصريف "().
4- وذكر ابن عطية أَن تميمًا من القبائل التي نزل القرآن الكريم بلغتها() ، وقال جمال الدين بن مالك : بأَن القرآن نزل بعضه بلغة تميم، وساق آيات وافقت لهجة تميم في الإدغام والاستثناءِ ().
5- وروايات ترى أَن التميميين كانوا مرجعًا في التشريع اللغوي كرؤبة والعجاج وأُمّ الهَيْثم وعلقمة الفحل، إذ كانوا يرتجلون أَلفاظًا لم تسمعها العرب، من ذلك :
(أ) جاءَ في أَمالي القالي: أَن الكِتْر: السّنام، قال علقمة التميمي:
كِتْر كَحَافةِ كِير القيْن ملمومُ
()
وعلق الأَصمعي بقوله
: " ولم أَسمع ( بالكِتْر ) إِلا في هذا البيت " فهي من مبتكرات تميم .
(ب) ما جاء عن ابن دريد من قوله: " ويقال: فلان ابن جلا – أَي ابن المكشوف الواضح، وابن أَجلى – لم يجئ به غير العجاج وحده، وهو مثله، وساق شاهدًا() شعريًّا للعجاج التميمي. والعجاج هنا مشرع لغوي، وهذا التشريع مقبول منه؛ لأَنه حجة ثقة " فإن الأَعرابي إذا قويت فصاحته وسمت طبيعته، تصرف وارتجل ما لم يسبق إِليه" ().
(ج) ونستشف من خبر ساقـه صاحب العقد الفريد() ، وابن دريـد في كتابه الملاحن() – أسلوبًا تميميًّا أَشبه بالرّمز والإِيماء أَو لغة ( الشَّفْرة ) () تلك التي لا يُهتدى إِليها إِلا بحلّ رموزها، وقد اعتمد الخبر في تحقيق غرضه على تشويه الكلمات دلاليًّا، وانتقال مجال الدلالة، وتطورها ضيقًا وسعة .
6- آراء نادى بها المستشرقون ومنها: أَن الفصحى تولدت من إِحدى لهجات نجد(). وأَكبر قبيلة كانت تسكنها قبيلة تميم وبطونها وفروعها .
والآن، وبعد أَن عرضنا طرفاً مما قاله اللغويون وعلماء العربية عن لهجة تميم أرى أَن نستشير لغة الإِحصاء لنلمس مدى شيوعها وانتشارها، وسنعرض إِحصائيات – تمثل جانبًا كبيرًا من علوم العربية ومصادرها – بين أَقوى لهجتين في العربية وهما: الحجاز وتميم:
لهجة الحجاز
لهجة تميم
اسم الكتاب
لهجة الحجاز
لهجة تميم
اسم الكتاب
مرة
3
مرة
8
(17) الأفعال لابن القطاع 510هـ
مرة
26
مرة
28
(1) كتاب سيبويه 180هـ
15
22
(18) شرح شافية ابن الحاجب للرضي 688هـ
29
33
(2) شرح السيرافي 368هـ
1
1
(19) الإبل للأصمعي 216هـ
24
31
(3) شرح المفصل لابن يعيش 643هـ
4(1)
4
(20) النخل للأصمعي
20
27
(4) شرح التصريح لخالد الأزهري 905هـ
2
2
(21) التذكير والتأنيث لأبي حاتم السجستاني 255هـ
24
28
(5) همع الهوامع للسيوطي 911هـ
1(2)
1
(22) الرجل لابن قتيبة 276هـ
20
27
(6) شرح الأشموني 929هـ
16
11
(23) معاني القرآن للفراء 207هـ إلى آخر سورة الزمر
9
18
(7) الخزانة للبغدادي 1093هـ
1
1
(24) مجاز القرآن لأبي عبيدة 210 هـ إلى آخر سورة الزمر
12
14
(8) جمهرة اللغة لابن دريد 321هـ
-
6
(25) مختصر شواذ القرآن لابن خالويه 370هـ
38
39
(9) المخصص لابن سيده 458هـ
7
11
(26) المحتسب لابن جني 392هـ
110
11
(10) لسان العرب لابن منظور 711هـ
97
117
(27) البحر المحيط لأبي حيان 745هـ
-
4
(11) النوادر في اللغة لأبي زيد 215هـ
8
15
(28) الكافية (3)لابن مالك 672هـ
6
13
(12) إصلاح المنطق لابن السكيت 244هـ
-
3
(29) ألفية ابن مالك
7
10
(13) الأمالي للقالي 356هـ
1
3
(30) ألفية المختار ابن بونة
49
58
(14)المزهر للسيوطي911 هـ
1
1
(31) عقد الجوهرة في الأسماء المؤنثة والمذكرة نظم الإمام عبد الرحمن بن الحسن
2
2
4
4
(15) شرح ديوان الحماسة للمرزوقي 421هـ
(16) شرح ديوان الحماسة للتبريزي 502هـ
مجموعة
شروح الأشعار
وهذه الإحصائيات تؤكد شيوع لهجة تميم وكثرتها في الجزيرة العربية حتى إِبان نزول الوحي() .
ونستشير الآن لغة الإِحصاء مرة أخرى لنسمع رأيها في لهجة قريش ومدى شيوعها وانتشارها فتجيب بأَن عدد ورود هذه اللهجة القرشية هي:
لغة الإحصاء تتكلم عن لهجة قريش
:
عدد ورود اللهجة
اسم الكتاب
-
(32) كتاب سيبويه ……………………
1
(33) النوادر في اللغة لأبي زيد …………
-
(34) شرح السيرافي …………………
2
(35) المخصص لابن سيده …………
2
(36) شرح المفصل لابن يعيش
-
(37) شرح الشافية للمحقق رضي الدين …
8
(38) لسان العرب لابن منظور …………
24
(39) البحر المحيط لأبي حيان …………
-
(40) الهمع للسيوطي …………………
1
(41) خزانة الأدب للبغدادي ……………
وبمقارنة لهجة قريش هذه بلهجة تميم فيما سبق بيانه يتضح أن مجموع لهجات تميم
662 لهجة، والحجاز 535 لهجة، وقريش 38 لهجة، وتكون النسبة التقريبية بين هذه القبائل هي :
تميم
: الحجاز : قريش
6
,6 : 5.4 : 0.4
وهذه النسبة تؤكد شحوب لهجة قريش في هذه المصادر وضآلتها، بل أَحيانًا يصل هذا الشحوب إِلى الاضطراب والتناقض
.
الاضطراب في عزو اللهجة بين قريش وغيرها من القبائل
:
1- (
اجْتَبيْتَها()):أَتيتها – بلغة قريش()– وفي كتاب الدميري()عزيت لثقيف.
2-( لأَحْتنِكَنَّ() ):لأَستأَصلنَّ، بلغة قريش، وفي الدّميري() بلغة الأَشعريين .
3- ( ولا هَضْمًا() ): نقصًا، بلغة قريش، وفي الدميري() بلغة هذيل .
4- ( لوَّاحَة للبشر() ): حرّاقة، بلغة قريش، وفي الدميري() بلغة أَزْد شَنوءة .
ومن هذا يتضح لنا مقدار ما أصاب اللهجة القرشية من الاضطراب والقلق والتخلخل، ومما ساعد على هذا أن الرواة كانوا دائمًا يخلطون بين لهجة الحجاز ولهجة قريش، وينظرون إِليهما على أَنهما لهجة واحدة، ومن ذلك
:
1- ( أَسْرَيْت ) لغة قرشية كما في الكامل(). وفي المصباح()، واللسان: للحجاز .
2- ( قرِرْت ) بالمكان أَقرّ – عزاها الكسائي في الغريب المصنف إِلى الحجاز، وعزاها أَبو حيان في البحر المحيط() إِلى قريش .
3- ( ذلك وتلك ) عزاها الفراء في معاني القرآن() لغة لقريش ، وعزاها الأَشموني() إِلى الحجاز. والحق أَن لهجة قريش تختلف إِلى حد ما عن اللهجات الحجازية الأخرى؛ لاختلاف مجتمعها، بل نرى أَبعد من ذلك ، إِذ نجد فرقًا في اللهجة بين قريش ( البطاح ) وقريش ( الظَّواهر ) ومما يساعدنا على هذا الفهم ما لمحه صاحب الإِتحاف() حيث يقول: ( بين الصّدفين ) بضم الصاد والدال لغة قريش وبها قرأَ ابن كثير وأَبو عمرو وابن عامر ويعقوب، وبفتحهما – لغة الحجاز، وهذا يوضح ما وقع فيه الرواة من خطأ منهجي .
استدراك على اللوحات الإِحصائية
:
في بعض المصادر وجدتُ أَن لهجات اليمن وحمير قد فاقتا لهجة تميم والحجاز
– بالرغم من المكانة السامية لهاتين اللهجتين – ففي مؤلفات نشوان الحميري، والهمداني، وابن دريد قد بلغت لهجات اليمن وحمير (42) لهجة، في كتاب ( منتخبات في أخبار اليمن من كتاب شمس العلوم، ودواء كلام العرب من الكلوم ) لنشوان الحميري ت 573هـ ، كما بلغت في جمهرة اللغة لابن دريد 227 لهجة، وكذلك الهمداني 334هـ في (الإِكليل)، كما لوحظ على ديوان الحماسة لأَبي تمام شرح المرزوقي أَن لهجة طَيِّئ كانت لها الصدارة ثم تلتها تميم فالحجاز. والشبهة تزول عندما نعلم أَن المؤلفين السابقين وقعوا تحت تَأْثير العاطفة القبلية اليمنية، فكان لابد من أَن تدور أَلفاظ هذه المؤلفات في فلك تاريخ اليمن ولغاته وحضاراته، كما أَن أَبا تمام قد اختار أَكثر شعراء الحماسة من قبيلة طيِّئ ، لأَنه منها. والرقعة الجغرافية والمناخ الفكري أَكثر ما يحددان اللهجات كمًّا وكيفًا .
أَدلَّة تؤكد لغة الإِحصاء في انتشار اللهجة التميمية
:
أَولاً
: انتشار اللهجة التميمية مرده إلى أَنهم كانوا على صلة بالحضارة الحيرية، كما كانوا على صلة بالآراميين والفرس والأَسواق الأَدبية الشرقية، فتأَثروا بها، وشاركوا في الحركات الثقافية المختلفة، فسجلوا نشاطهم اللغوي، ونظامهم الشعري، وبقي هذا النشاط التسجيلي قويًّا حتى جاء الإسلام فرحل إِليهم الرواة واللغويون، وسجلوا ما سمعوه من أَفواه تميم، حتى لهجات النساء التميميات(). بعكس الجانب الحجازي الذي كان منصرفًا عن جمع التراث، فبقيت ثقافته راكدة جامدة؛ لأَن البيزنطيين لم يعنوا بتشجيع عرب الغرب على بعث تراثهم وتسجيله؛ إِذ كانت سياستهم مادية نفعية() . أَضف إِلى ذلك أَن حاضرة الحجاز لم تدخل دائرة القبائل التي عنها أَخذ اللسان العربي، وبهم اقتدى، وعليهم اتَّكل في الغريب والتصريف، لأَن الذين نقلوا اللغة صادفوهم حين ابتدءوا ينقلون لغة العرب قد خالطوا غيرهم من الأمم وفسدت أَلسنتهم() .
ثانيًا
: أَثبتنا أن ظواهر لهجية عديدة عزيت في الروايات والنصوص لشعب كبير كمضر، لكنني بعد البحث والدرس حملتها على لهجات تميم()، اعتمادًا على أَن تميمًا في عرف علماء الأَنساب هي الممثلة لمجموعة مضر.
ثالثًا
: إِن بعض ظواهر لهجة تميم كانـت منتشرة في الجزيرة انتشارًا أَكثر مما حددته الروايات التقليدية، وأَوسع مما أَدركه علماء العربية:
(أ) فمثلاً ظاهرة العنعنة حددتها الروايات بأَنهـا إِبدال الهمزة عينًا من ( أَن ) المفتوحة الهمزة، وهدفها الحرص على تحقيق الهمزة خشية أَن يجور عليها بدء النطق أَو الوقف، فيقوون الهمزة إلى أَن تقارب العين، وباستعراض النصوص على تلك الظاهرة نرى أَن هذا الإِبدال الذي قيِّد بكونه في (أَن) المفتوحة إِذا وقعت بعدها النون لا يثبت أَمام النصوص؛ لأَن الظاهرة وجدت في ( أَن ) وفي غيرها، بل في وسط الكلمة وفي آخرها معزوة إلى تميم() . ومما يؤكد ذلك وجود هذا الإِبدال في الحبشية وفي الأَصل السّامي في الأَول والوسط والآخر، وبهذا الفهم تكون ظاهرة العنعنة قد غطت مساحات جغرافية شاسعة من الجزيرة العربية، ومساحات أَوسع مما قدره لها اللغويون في المعجم العربي .
(ب) وبهذا الإِدراك والعمق يمكن أَن ندرس ظواهر تميمية كثيرة: كظاهرة الهمز والإدغام والإمالة حيث ثبت بالدراسة أَنها شملت مناطق حجازية، ومساحات جغرافية أَوسع مما جاء في المصادر من روايات تقليدية :
1- فالمعروف أَن القسم الشرقي الممثل في تميم يميل، ولكن الظاهرة اتسعت حتى رأَينا بعض الإمالة قد عزي إلى المناطق الغربية من الجزيرة كالحجاز()، كما ثبت بالسماع أَن أَهل الحجاز يميلون الأَلف للكسرة()، ويطالعنا سيبويه في عدة أَماكن من كتابه() بنسبة بعض أَحوال الإِمالة إِلى الحجاز كإِمالة نحو: خاف وطاب، كما نرى في هذه المناطق الغربية إِمالة من نوع آخر وهي إِمالة الفتح إِلى الضم ، وكانت اليمن أَيضًا تميل مثل هذا، ولم تكن الحجاز وحدها في اتساع دائرة الإِمالة حتى شملت طائفة كبيرة من الكلمات، وإنما شاركتها خزاعة وكانت منازلها في مكة، وبنو سعد حضنة الرسول علية الصلاة والسلام، كما سار على هذا المهيع في الإِمالة قضاعة، وقد تنقلت هذه القبيلة إِلى الشّحر ونجران والحجاز والشام، وكلما ظعنت من مكان إلى آخر حملت معها بذور هذه الظاهرة؛ ولهذا كان من الممكن أن نربط بين الإمالة الغامرة اليوم في سوريا وبين قضاعة المميلة، والتي كان لها ذات يوم سلطان على الشام، كما أَن العلاقة كانت قوية بين إقليم نجد- ونجد أَصحاب إِمالة- () وإِقليم الشام ...
فإذا تركنا الشرق واتجهنا إلى الغرب وجدنا إِمالة في الأندلس
()، والشبه قائم بين الشام والأَندلس؛ حيث كانوا يسمون ( غرناطة ) بدمشق لا لشبهها الجغرافي الشديد بدمشق – وهي بالفعل أَشبه البلاد بها – بل لأَن العنصر الدمشقي كان غالبًا فيها() ، ومما يزيد الصلة توثيقًا بين القطرين أَن العرب في أَسبانيا كانوا على مذهب الإِمام الأَوزاعي إِمام أَهل الشام، مما يشير إلى أَن السّواد الأَعظم من العرب الذين فتحوا أَسبانيا كانوا من أهل الشام .
كما حلقت الإمالة بجناحيها في رقاع جغرافية شاسعة شملت
: ليبيا ومصر وغيرهما .
2- وما قيل في الإمالة يقال في الإِدغام، وهو في الأَصل ظاهرة تميمية، ولكنه انتشر في أَجزاء من الجزيرة العربية: شرقيها: كعُقَيل، وعامر بن صَعْصَعة، وبني عِجْل، وبكر بن وائل ، وبَلْعَنْبر، وبني سعد بن زيد. وغربيها: فقد جاء الإِدغام على لسان النبي() ( e) وابن عباس() وكثير من قراء مكة والمدينة()؛ ولذلك كان هو اللغة الرسمية السائدة التي تلقفها القرآن الكريم؛ لأَنه ظاهرة راقية تهدف إِلى الوصول بالكلمة إِلى أَقصى درجات الخفة والسّهولة؛ ولهذا يقول أَبو عمرو: " الإِدغام كلام العرب الذي يجري على أَلسنتها ولا يحسنون غيره "() .
ومن أجل هذا عبر الإِدغام القرون حتى وجدنا صداه في لهجاتنا الحديثة، فنحن نقول
: قالَّك ، جعل لَّك، حدَّتُّهم في ( حدثتهم ). وهذا يقوي الربط بين الخالفين والسالفين، ويمهد لدراسة ( ديناميكية ) للهجة عبر التاريخ الطويل .
3- كذلك انتشرت ظاهرة الهمز – وهي تميمية – في بقاع كثيرة من الجزيرة بما فيها البيئة الحجازية، فقد همزت بيئة مكة بعض الصيغ، مع أَن طبيعتها النفور من الهمز، ولعل السبب في همزها أَنهم - وهم أهل تسهيل - شعروا بالنقص، فحققوا هذه الصيغ كردّ فعل لإِحساسهم بشعور النقص في الظاهرة العامة عندهم وهي تسهيل الهمزة، بل كثيرًا ما كانوا يعاملون همزة الوصل كأَنها همزة قطع؛ مبالغة منهم في تحقيقها، كما انتشر الهمز في بيئة الحجاز على أَلسنة القراء() حتى اقتحم حصون الفصحى نفسها، وأَصبح من مميزاتها، بل بالغ العرب فيه حتى همزوا ما ليس أَصله الهمز(). وكان عالم العربية عيسى بن عمر الثقفي يؤثر نطق تميم ويقول :" … ما آخذ من قول تميم إِلا بالنبر" ()، كما كانوا يقرنون النبر بالفصاحة، ففي اللسان:" ورجل نبار: فصيح الكلام " ().
رابعًا
:كما أَن كثيرًا من الظواهر اللهجية والتي يمكن أَن تنسب لتميم قد عزيت إِلى غيرها من القبائل خطلاً أَو خطأً:
فالمثال الواوي ليس في كلام العرب منه
( فعَل يفعُل ) بفتح العين في الماضي وضمها في المضارع إِلا حرفًا واحدًا ذكره سيبويه وهو ( وجد – يجد ) ولم يعزه سيبويه لقبيل مـن العرب. وقـد عزاه الرضي إلى بني عامر() وكذلك الفـارابي()،
والفيومي()، واللسان ()، وصاحب التصريح ()، والسيوطي()، وصاحب التاج في مادة ( وجد ) يعزوه إلى لبيـد العامـري، وفي مادة ( نقع ) من المصدر نفسه، يستشهد بالظاهرة ويسوق شاهدًا يعزوه إِلى جرير وهو :
لو شئت قد نقع الفؤاد بشربة يدع الصَّوادي لا يجُدْنَ غليلا
وأَمام هذا القلق رجعت إِلى ديوان لبيد العامري فلم أَجد الشاهد السابق فيه، فأَيقنت أَن الظاهرة اللهجية ليست لبني عامر، بل عثرت في ديوان لبيد العامري على عكس الظاهرة في قوله :
فإِن لم تجِدْ من دون عدنان والدًا ودون معدٍّ فَلتَزعْك العواذل
()
بكسر الجيم من
( تجد ) ، ووجدت الشاهد في ديوان() جرير ( التميمي ) .
وأُرجح أَن الذي جر الرواة والعلماء إِلى الوهم في عزو الظاهرة إِلى بني عامر، أَن ابن عامر قرأَ بها في سورة النساءِ ()( ولا يجد لهم .. ) بضم الجيم() ، فظنوا أَنه من بني عامر ، ولكنه يَحْصُبيّ يمني() .
شبهة وردها
:ولكن قد يقف في طريق هذه الإِحصائيات، التي تشير إِلى انتشار اللهجة التميمية وقوتها في الجزيرة العربية، ما ورد من ربط بين لهجة الحجاز وقريش وبين اللهجة التي نزل بها القرآن الكريم من جانب، اعتمادًا على بعض روايات الإِخباريين()، وكذلك الربط بين الحجاز وقريش وبين الفصحى من جانب آخر، وأَن لهجة قريش كانت تجتبي- أًي تختار – أَفضل لغات العرب حتى صار أَفضلَ لغاتها لغتُها فنـزل القرآن بها()، وأَنهم أَفصح العرب أَلسنة وأَصفاهم لغة، وأَغلب هذه الروايات جاءَ عن طريق قتادة ت 117هـ ، وقد وصف بأَنه مدلّس ولا يجوز الأَخذ عنه() ، وأَن سند بعض هذه الروايات ضعيف؛ لأَن بعض رجاله لم يلتقوا في حياتهم بمن حدثوا عنهم.
وربما اعتمدوا في ذلك على الاحتجاج بقوله تعالى: ]وما أَرسلنا من رسول إِلا بلسان قومه [ () فلما كان قوم الرسول هم قريش كان نزول القرآن بلهجتهم، والذي أُرجحه أَن القومية في الآية عامة تشمل العرب جميعًا، بدليل قوله تعالى:]وهذا لسان عربي مبين [ () .
وقد اعترف القرآن بعربيته لا بقرشيته عشر مرات
(يوسف آ:2 – الرعد آ: 37 النحل آ : 103 – طه آ : 113 – الزمر آ : 28 – فصلت آ : 3– الشورى آ : 7 – الزخرف آ : 3 – الأَحقاف آ : 12 – الشعراءَ آ : 195 ) يؤيد ذلك ما جاءَ في الحديث :" أُرسل كل نبي إلى أُمته بلسانها "() والذين أُرسل إِليهم الرسول هم العرب فيجب أَن يكون القرآن وهو رسالته بلسانهم .
وقد وردت روايات أُخرى تعارض ما سبق وتؤكد أَن القرآن نزل بلغات أُخرى غير لغة قريش، وأَن القرآن حوى خمسين لغة()، وأَنه كما نزل بلغة الحجازيين نزل بلغة التميميين، وأَن كثيرا من القبائل العربية قد اشتركت في لغته()، كما وردت روايات تعزو الفصاحة إِلى قبائل عربية غير قرشية ومن هذه القبائل: عليا تميم وسفلاها() .
ونخرج من هذه الروايات والأَخبار المتضاربة على أَن الفصاحة لم تكن خاصة في قريش، وأَن القرآن لم ينـزل بلهجتها وحدها، بل تبلورت جميع اللهجات فيه
. فحولها إِلى عصارة نافعة غذت العربية فكانت لحمتها وسداها، وبهذا مثَّل القرآن اللغة الفصحى بين العرب جميعًا() وبها تحدى الخطباء اللّدن، والفصحاء اللّسن ]أَن يأْتوا بسورة من مثله[ ().
وأَخيراً
: فإن ما جاءنا من لهجة تميم يعد من أكثر ما جاءنا عن سائر لهجات القبائل العربية.
فقد أَمدّت العربية بروافد غنية – على جميع المستويات: الصوتية والدلالية والمعجمية والتركيبية – لا ينقطع مددها ولا ينضب معينها .
وقد اعتمدنا في تحديد أَبعاد اللهجة ومسارها، ورسم مواقعها وحدودها على لغة الإِحصاءِ، وهي المنهج العلمي الحديث الذي يعتمد عليه في إِظهار الحقائق وتقويمها، ولم نقع تحت تأْثير رواية من الروايات التقليدية السابقة، والتي نرى أَن السياسة صاغتها حينًا، والعصبية أَحيانًا، والغيبيات أَحيانًا أُخرى .
وبعد هذا يمكن أَن ننتقل إِلى دراسة نَصِّيَّة لقبيلة تميم .
* * *
(*)
للأستاذ أنوليتمان
عضو المجمع
قال الأستاذ المشهور ( أغناطيوس غويدي ) - رحمة اللـه تعالى – في كتابه المسمى بـ " المختصر في علم اللغة العربية الجنوبية القديمة " ما يأتي:
اعلم أن معرفتنا للسان الذي كان أهل جزيرة العرب الجنوبية يتكلمون به قبل الإسلام إنما هي من النقوش، وكان هذا اللسان يشمل لهجات شتى: أي المَعِينية والسَّبئِيّة والقَتَبانِيّة والأَوْسَانِيَّة والحضْرَمِيَّة وغيرها، ونحن نعرف أن تلك اللهجات قريبة من اللهجات الحبشية السامية، ونعلم أيضًا أن هناك فرقًا بين العربية الجنوبية والعربية الشمالية، أما الشمالية فأشهرها اللغة العربية الفصيحة، التي هي لغة القرآن الشريف، ولغة التأليف، ونعلم غير ذلك أن للغة المتكلم بها بين الأمم العربية والمتعربة لهجات كثيرة، في عصورها القديمة والمتوسطة والحديثة، كما حدثنا بذلك النحويون وعلماء اللغة، فقد رووا لنا كلمات وصيغًا مختلفة كانت مستعملة في اللهجات القديمة .
وكما أن النصوص التي حفظت لنا اللهجات العربية الجنوبية هي النقوش ، كذلك الحال في اللهجات العربية الشمالية، التي نستطيع أن نميز بين أربعة أنواع منها، وهي اللّحيانية والثمودية والصَّفَوِية والنَّبَطية . وتمتاز اللهجات الثلاث الأولى بخطوطها المشتقة من الخط العربي الجنوبي، بخلاف اللهجة الرابعة المنقوشة بخط آرامي، كما تمتاز اللّحيانية والثمودية والصَّفَوِية أيضًا باشتمالها على كلمات وصيغ مخصوصة ، لا تختلف كثيرًا عن اللغة العربية الفصحى، على حين أن النَّبَطِية هي لهجة آرامية اختلط بها صيغ وكلمات عربية، لأن الناس الذين كتبوها كانوا من العرب العاربة، وأخذوا لغتهم المكتوبة وخطهم المكتوب من الآرام، ولما كانت لهجتهم المتكلم بها هي أقـرب اللهجات العربية إلى لغـة الحجاز استطعنا أن نفهم بسهولة اشتقاق الخط العربي مـن
الخط النَّبطي.
ــــــــــــــ
(
*) نشر البحث بمجلة المجمع – الجزء الثالث ص 247 – 253 .
وقد سمى العلماء تلك اللهجات العربية الشمالية القديمة بالأسماء المذكورة للأسباب الآتية:
سميت النقوش اللّحيانية بهذا الاسم؛ لأنه ذكر فيها بنو لحيان، والثمودية لشهرة بني ثمود قبل الإسلام في نجد وشمال جزيرة العرب. أما الصَّفَوِيَّة فاسمها مأخوذ من جبل الصفاة، الموجود في بادية الشام، وقد ذكره جرير في بيت أشار إليه المبرد في كتاب الكامل ( ص468 من طبع الأستاذ رايت Wright ) وهو كما يأتي :
هَبَّتْ شَمالاً فِذكْرى مَا ذكَرْتُكُمُ عنْدَ الصَّفَاةِ إلى شَرْقِيّ حَورَانَا
وهو جبل وعر، ليس به دَيَّار، ولا نافخ نار، وأنا لم أجد به نقشًا واحدًا صَفَوِيًّا، وقد وجدت الآلاف منها بالحرة الواقعة بين حَوارن وجبل الصفاة، وقد اقترح مقترح أن تسمى بالنقوش الحرّية، ولكن كثرة الحرّات في الجزيرة العربية مما يجعل هذه التسمية موضعًا للبس، ولذلك اتفق العلماء على تسميتها بالنقوش الصفوية، نسبة إلى جبل الصفاة، الذي هو علم تلك الناحية .
أما الفرق الخاص الذي يفرق بين هذه اللهجات فهو أداة التعريف، التي هي في الثمودية والصَّفَوِية ( الهاء )، وفي العربية النبطية ( الألف واللام )، فنستطيع أن نفرق إذن بين لهجات الهاء ولهجات الألف واللام، مثال ذلك ( هـ م ل ك ) عند أهل ناحية الصفاة بمعنى الملك، ولكن كان النبط يستعملون الألف واللام مع الكلمات والأسماء العربية المعرّفة .
والآن أذكر على سبيل المثال النقشين الصفويين الآتيين اللذين وجدتهما ونسختمها في الحرّة .
ل غ س م ب ن ش م ت ب ن خ ل أ ل ب ن ب ن ت و ح ل ل هـ د ر س ن ت ق ن س هـ م ل ك أل ع و ذ و خ ر ص أ ش ى ع هـ أ س ر ت ف هـ ب ع ل س م ن ر و ح ل ذ غ ن ظ .
وترجمته بالعربي الفصيح كما يأتي
:
لغاسم بن شامت بن خلِّئِيل
( أي خليل الله ) بن بانت وحل بالدار (أي المنـزل) سنة قنس ( أي قاصَّ أو طلب دية ) الملك آل عويذ ورصد الأشياع الأسيرة ( أي الأصحاب الأسرى ) فيا بعل السماء رواحًا للذي غنظ .
نقش آخرل ب د ر ب ن أ ص ل ح ب ن أ ب ج ر و ش ت ى هـ د ر و ذ ب ح ف هـ ل ت س ل م
وبالعربي الفصيح كما يأتي:
لبدر بن أصلح بن أبجر وشتا بالدار وذبح فيا اللات سلامًا.
وقد اخترت هذين النقشين لاشتمالهما على خصائص لغوية شتى، منها ما يتعلق بأسماء الرجال، وأسماء الآلهة، والاسم الموصول، وأداة التعريف، وإضافة المنعوت إلى النعت، ومعاني بعض الكلمات وصيغها، وقد كتب بعض هذه الأعلام بحروف يونانية، في نقوش يونانية مثلاً شامت وبانت Bavaoosوأبجر aByaoos وهذا الاسم الأخير مشهور جدًّا، وكان اسم تسعة من ملوك ( الرُّها ) المدينة المعروفة بالجزيرة، وقال ابن دريد في كتاب الاشتقاق ( ص 208 من طبع الأستاذ فيستنفلد wuestenfeld ): وبُجَيْر: تصغير أبجر، فمن ولده حَجَّار بن أبجر بن بجير، وكان شريفًا أدرك الإسلام ، وأسلم على يد عمر رضي الله عنه. واللات واردة في سورة النجم، وفي كتاب الأصنام لابن الكلبي. و( بعلسمين ) اسم آرامي معناه رب السماء، أخذه أهل ناحية الصَّفاة من أهل سورية، وهو معروف أيضًا عند النَّبط، ولكن اسمه الأصلي ( بعلشمين ) بالشين لا بالسين، وكتابته بالسين تدل على أن نصف هذه التسمية معرّب، ويظهر من كلمة ( هملك ) الذي هو ملك الروم أي قيصر أن الهاء في هذه اللهجة هي أداة التعريف، كما هو الحال في العبرية، ونحن نعلم أيضًا أن الحرف التالي للهاء كان مشددًا عند العبرانيين وعند أهل اللهجة الصَّفَوية ، وذلك يتضح لنا من نقش يوناني ورد فيه اسم Auuaoixosوهو بالصفوى هـ م س ك ham- mâsik وبالعربي ( الماسك ) ولكن ورد بعض الأسماء في نقوش يونانية أخرى هكذا Aλavoos, AλaBδosيعني الأوس والعبد، وهما معرفتان بالألف واللام، ثم إنه ورد: روح ل ذ غ ن ظ، أي: (رواحًا للذي غنظ)، ومن هنا نعلم أن الاسم الموصول كان (ذ) كما هو الحال عند عرب طيئ في قديم الزمان، ولكنا لا نعلم صرف تلك الذال ولفظها أكان ذو، أم ذي؛ أم ذا ، وترجمت ( أ ش ى ع هـ أ س ر ت ) بالأصحاب الأسرى، معتبرًا أن صيغة المنعوت مضافة إلى النعت، كما هو الحال في العبري المتأخر ، وكثيرًا ما يحدث ذلك أيضًا في الحبشية، وفي بعض اللهجات العربية، فيقال مثل جبل الأحمر، عوضًا عن الجبل الأحمر، ونقرأ في النقش الثاني كلمة ( ش ت ى ) بمعنى شتا، وبيان ذلك أن الفعل الناقص له في الصَّفَوية صيغة واحدة فقط، وهي أن لامه دائمًا ياء، وهذا التغيير نصادفه في لهجات ولغات سامية كثيرة، ويتضح لنا أيضًا أن الفعل الناقص يصرف في الصَّفَوية مثل الفعل السالم أي شَتَىَ أو شَتَىْ. لو كان لفظه شتا لكتب ( ش ت ) كما يكتب ( ع ل ) بمعنى، و(أ ل) بمعنى إلى، وترجمت كلمة قنس بـ (قاص) وكلمة خرص بـ ( رصد ) ، وذلك لأن قنس وردت بذلك المعنى أيضًا في العبري المتأخر، وقد اشتقت من لفظة يونانية أصلها باللاتينية، وأما خرص فمعناها محزور، ونحن نعلم أن خرص بالعربية الفصحى معناها ظن الشيء وخرص العدد حزره، وقد ورد في النقوش الصَّفوية ( خ ر ص هـ ش ن أ و خ ر ص أ ب هـ و خ ر ص أ ش ى ع هـ ) يعني خرص الشانئ أي العدو، وخرص أباه، وخرص أصحابه. ويخيَّل إليَّ أنه من معنى خرص العدد: أي حزره، اشتق معنى خرص البُعْد والمكان، يعني بُعد العدو، أو مكان أبيه، أي حزره راصدًا؛ فليجمل هنا شيء من نحو اللهجة الصَّفوية :
الحروف كلها كما هي في العربي الشمالي عددًا، ولكن من المحتمل أن الضاد كانت تلفظ مثل لفظ الظاء عند الأعراب، وليس مثل لفظ التجويد ، وأن الظاء كانت تلفظ مثل الثاء المفخمة. والألف كانت تقلب واوًا في بعض الكلمات مثلاً(و ن س) بمعنى أنس، و ( و د م ) بمعنى أدم، و ( م و ر ب ) بمعنى مؤارب، كما يقال ( واكل ) بمعنى آكل في اللهجات العربية الحاضرة. ولا يدغم الحرف الثاني مع الثالث في الأسماء المشتقة من الفعل المضاعف، خلافًا لأكثر اللغات السامية، مثلا (ظ ن ن) وهو اسم رجل مكتوب في النقوش اليونانية هكذا lavevos، ومن هذا يستدل أن نطق هذا الاسم كان ظانن كما يقال في اللهجات العربية ( مادد ، وضالل ) الخ . وكذلك نجد من بين الأسماء الواردة في النقوش الصفوية ( أ ب ل ل و أ ج م م ، و أ ر ت ت ) . والأول منها ( أبلل ) معناه: الأبل، والثاني والثالث اسمان معروفان عند العرب؛ إذ ذكر المقريزي الأجم بن درماء في ( البيان والإعراب عما بأرض مصر من الأعراب ص 46 من طبع الأستاذWuestenfeld ) ونجد في نقش يوناني Ayụaụosعند أهل حوران. وأرتت معناه الأرت، وهذا هو اسم ورد ذكره في كتب مختلفة، خصوصًا في كتاب الاشتقاق لابن دريد ( ص 235 و 227 من طبع Wuestenfeld ) وكذلك وجدت ( أخفف، وأشدد ) في لهجات عربية، عوضًا من أخفّ وأشدّ. أما الحركات فليس لها علامات، لا للفتح ولا للكسر أو للضم أو للإشباع أو لاتحاد الفتحة والواو والياء. مثل ذلك در أي دار، و م ق م أي مقيم، و ر م أي روم، و ب ن أي بين، و ك ن أي كون. ويوجد إله مشهور عند أهل تدمر وعند النبط يسمى شيع القوم، قيل عنه إنه لا يشرب خمرًا، أي أنه لا يقرب له خمر، وإن عابديه لا يشربونها. وهو يكتب في الصفوية هكذا ش ع هـ ق م. ومن الواضح أن الاسم كان يلفظ shêhag-gôm . وفي لهجات عربية كثيرة يلفظ ê و ô عوضًا عن ayو aw .
اسم الإشارة
:
كان ( ذ )، والمظنون أن لفظه كان ( ذ ) وكان يتبع المشار إليه، لا يتقدمه نحو ( ج و ذ ) بمعنى هذا الوادي، كما يقال ( النهار ذا ) عوضًا عن هذا النهار، وكما قيل في العربية الجنوبية ( هجران ذان ) بمعنى هذه المدينة، أما الاسم الموصول فكان أيضًا ( ذ ) والمظنون أنه كان يلفظ ( ذو ) موافقًا ( ذو ) الطائية المومأ إليها سابقًا، ومثالها بيت في حماسة أبي تمام ( ص 292 من طبع قريتاغ Freytag ) وهو " وبِئرِي ذو حفرت وذو طويت " .
وقد تكلمنا عن الأفعال الناقصة، وذكرنا ( ش ت ى ) بمعنى شتا، وفي النقوش الصفوية أيضًا ( ب ن ى ) أي بنى، و ( أ ت ى ) أي أتى، و ( ن ج ى ) أي نجا، و ( ر ع ى ) أي رعى، و ( د ع ى ) أي دعا، بمعنى حفظ أو حمى. وبعض الجمل التي وردت فيها هذه الأفعال هي كما يأتي :
( ن ج ى م ن ر م ) : أي نجا من الروم . ( ن ج ى م ن هـ س ل ط ن ) : أي نجا من السطان ( يعني دولة الروم ). ( ن ج ى م ن م ر ت هـ س ل ط ن ع ل أل ع و ذ ): أي نجا من نمارة السلطان على ( يعني إلى ) آل عويذ . ( ر ع ى هـ ض أ ن ). أي رعى الضأن . ( ر ع ى هـ أ ب ل ): أي رعى الإبل ( ر ع ى هـ م ع ز ى ): أي رعى المعز . ( ر ع ى هـ ب ق ر ): أي رعى البقر. وقيل في نقش من النقوش ( و ر ع ى هـ أ ب ل س ن ت م ر ق ن ب ط ج و ذ ) أي رعى الإبل سنة مر النَّبَط بهذا الوادي. وكلمة مرق معناها: مر، كما هي في اللهجات العصرية. ونجد فعل ( د ث أ ) بمعنى: ارتبع مشتقًّا من دثأ، وهو الربيع عند عرب الجنوب. ثم كلمة ( ن خ ل ) بمعنى واد، كما هي في العبرية والسريانية، وكلمة ( م د ب ر ) بمعنى البادية، كما هي أيضًا في العبرية والسريانية .
ونستنتج من كل ما ذكر أن دراسة اللهجات العربية قديمها وحديثها تساعدنا كثيرًا على درس أصل العربية وتاريخها .
* * *
التميميون ومكانتهم في العربيّة
(*)
للدكتور أحمد علم الدين الجندي
خبير بلجنة اللهجاتنسبها:
من أكبر القبائل العربية العدنانية، وتنتسب كما يقول القلقشندي(1) إلى تميم ابن مُر بن أُدّ بن طابخة، ويتصل النسب بعد ذلك إلى إِلْياس بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان .
منازلها
:وكانت منازل تميم بأَرض نَجْد دائرة من هنالك على البصرة واليمامة، وامتدت إِلى العُذيْب(2) من أَرض الكوفة، ثم تفرقوا بعد ذلك في الحواضر، وورث منازلهم ( غَزيَّة ) من طيِّئ وخفاجة من بني عُقَيْل بن كعب(3)، وقد كانت القبيلة تسيطر على جزءٍ كبير من نَجْد، إِذ كان يجاورها من ناحية الغرب قبائل ( أَسد ) شمالاً، وقيس جنوبًا، وفي الجنوب أَيضًا بنو حنيفة من بكر بن وائل، وعبد القيس من جَديلَة، ويحدثنا البكري في معجمه أَن أَبناءَ أُدّ ومنهم تميم " نزلوا إِلى بلاد نجد وصحاريها، فحلوا منازل بكر وتغلب … ثم مضوا حتى خالطوا أَطراف هجر، ونزلوا ما بين اليمامة وهجر" (4)كما نفذت بنو سعد بن زيد مناة بن تميم إِلى يَبْرين وتلك الرمال حتى خالطوا بني عامر بن عبد القيس في بلادهم قطر، ووقعت طائفة منهم إلى عمان، وصارت قبائل منهم بين أَطراف البحرين إِلى ما يلي البصرة. فلما جاء الإسلام وأَشرقت شمسه كانت " تميم كلها بأَسرها باليمامة "(5) .
ــــــــــــ
(
*) نشر البحث بمجلة المجمع، بالجزء الخامس والعشرين، ص 195 _ 176 .
() نهاية الأرب : 188
(2) ماء لبني تميم على مرحلة من الكوفة . اللسان 2/ 75 .
(3) صبح الأعشى : 1 / 347
(4) معجم ما استعجم : 1 / 88
(5) المرجع السابق : 1 / 90
بطونها
:ومن بطونها: زيد مناة، وعمرو بن تميم، والحارث بن تميم، وأَولاد عمرو بن تميم: العنبر بن عمرو، والهُجيم ، وأُسيِّد ومالك، والحارث، وهو الذي يقال لأَولاده " الحَبطات " كما أَن من بطونهم بني ثعلبة بن يَرْبوع بن حنظلة، وبني رياح().
تاريخها
:امتازت تلك القبيلة بمجدها القديم، وعزها الطريف، وسطوتها بين قبائل العرب، وقد ساق المؤرخون كثيرًا من أَيامها وحروبها: كيوم النِّسار()، ويوم الجِفَار() وكان بعد النِّسار بحول، وهو بين بكر وتميم، ويوم رَحْرحان() ، ويوم الزَّخيخ وهو لتميم على اليمن. وروى الهيثم بن عديّ عن عوانة قال: سأَل زياد دَغْفلاً عن العرب، فقال : " الجاهلية ليمن، والإِسلام لمضر، قال: فَخبرني عن مضر، قال: فاخر بكنانة، وكابر بتميم " (). كما اتصفت تميم بأَنها من " الصميم() " أَي صميم العرب.
ولا نستطيع أَن نرتقي بتاريخ تميم عن القرن السادس للميلاد، فليست لدينا مواد تاريخية موثوقة تصلنا إِلى ما قبل ذلك، ويظهر أَن بعض تميم قد اعتنقوا المسيحية كما اعتنق بعضهم المجوسية، ومن هؤلاء زُرَارة بن عُدَس التميمي وابنه، والأَقرع بن حابس، ولما أَشرق الإِسلام ظلت تميم بعيدة عنه، حتى قدم على النبي ( e) سنة 9 هـ وفد بني تميم وهم سبعون، وهم الذين نادوا رسول الله من وراءِ حجراته: أَن اخرج إِلينا يا محمد ، فتأَذى الرسول من صياحهم فخرج إِليهم، فقالوا: جئناك لنفاخرك فأذن لشاعرنا ، فقام عُطارد وقال:" الحمد لله الذي له علينا الفضل – وهو أَهله – الذي جعلنا ملوكًا ووهب لنا أَموالاً … وجعلنا أَعزَّ أَهل المشرق، وأَكثره عددًا فمن مثلنا في الناس؟ أَلسنا برؤوس الناس وأُولى فضلهم ؟" () وهذا الوفد هو الذي نزل فيه قوله تعالى :]إن الذين ينادونك من وراءِ الحجرات أَكثرهم لا يعقلون [ ()، وفي قراءة عبد اللـه بن مسعود " وأَكثرهم بنو تميم لا يعقلون "() . وذلك يشير إلى أَن البداوة كانت أَصيلة فيهم للنـزق والطيش .
ما نزل فيهم من القرآن
:]ولو أنهم صبروا حتى تخرج إِليهم لكان خيرًا لهم[ ()حتى كابروا وطلبوا أَن يفاخروا رسول الله ( e)، وإِذا كانوا يتَّسمون بالشدة والغلظة في المحسوس من أمورهم كالأَصوات والأَقوال حتى إِن اسم " تميم " قد اشتق من الصلابة والشدة ()، فإنهم أَشد وأغلظ في خفيات الأُمور ودخائل النفوس، أَلا ترى إلى قوله تعالى: ]الأَعراب أَشد كفرًا ونفاقًا [ ()، ثم نزلت فيهم آيات أُخريات من كتاب الله ()، وهي تؤكد غطرستهم وصلفهم، ولهذا ارتدت تميم عقب وفاة النبي ( e) وادعت سَجَاح بنت الحارث منهم النبوة، فتبعتها تميم، وكانت لها جولات في اشتباكها مع الجيوش الإِسلامية حتى اندحرت أَخيرًا على يد خالد، ولكن بعد أَن أَظلتها راية الإسلام ثانيًا كان معظم الوحدات الحربية التي تحركت شرقًا نحو فارس ثم خراسان، ثم إلى إِفريقية غربًا بزعامة إِبراهيم بن الأغلب الذي أرسى قواعد أسرة الأغالبة في إِفريقية – يغلب عليها النسب التميمي، وفي سنة 14هـ أَمدّ عمر بن الخطاب سعد بن أَبي وقاص في مواقعه بثلاثة آلاف بطل تميمي، يؤكد بطولة تميم هذه ما جاءَ عن ابن حزم من أَنها " قاعدة من أَكبر قواعد العرب" (1) وأَمنع قبائلها .
شعراؤها
:من أَشهر شعرائها: أَوس بن حجر، وعَلْقمة بن عَبدة التميمي، وسلامة بن جندل، أَحد نعات الخيل، ومالك ومُتَمم ابنا نويرة (2)، وسُليْك بن سَلكة وهو من صعاليك العرب، والعجاج ملك الرجز في العصر الأموي، والفرزدق وجرير، ومعروف ما كان بينهما من تصارع وتنافر حتى كانت "النقائض" بينهما سجلاً خالدا لأَيامهم ومآثرهم، وفوق هذا كانت معلمة كبرى في تاريخ الأَدب، فجمعها أَبو عبيدة، وفسّر مفرداتها، ووضح علاقتها بالأَدب واللغة والحياة العربية .
خطباؤها
:ومن أَشهرهم: الأَحنف بن قيس، وأَكثم بن صيفي حكيم العرب في الجاهلية، وحاجب بن زُرارة، وكان عضوًا في الوفد الذي أَرسله النعمان بن المنذر إِلى كسرى، والأَقرع بن حابس .
علماؤُها
:ومن أَعلامهم في الثقافة: أَبو عمرو بن العلاءِ 154هـ، وهو مفخرة العربية، والأَخفش الأَوسط 215هـ إِمام اللغة في البصرة، وابن ولاَّد النحوي 332هـ .
وكانت تميم – لما لها من نفوذ وصولة – تتولى القضاءَ في الأَسواق العربية، يقول القلقشندي: " وكان الذي يقوم بأَمر الحكومة فيها من تميم "(3)، وفي ذلك يقول شاعرهم :
ونحن الحاكمون على عكاظ كفينا ذا الجزيرة والمصابا
ــــــــــــــ
()
جمهرة أنساب العرب: 196.
(2) الشعر والشعراء: 119
(3) نهاية الأرب : 464 .
وهذا المجد يفسره ما جاءَ في اللسان() في حديث القبائل عندما سئل السائل عن مُضَر، فقال : تميم بُرْثُمتُها وجُرثمتُها، أَي خلاصتها.
وبعد
:
فهذه نبذة قصيرة من صفحات التاريخ سجلها عن تميم، وما كان لها من دور مهم في مملكة الشعر والأَدب، أَما دورهم في الحياة اللغوية فنصوره في هذه الخطوط العريضة .
حياتها اللغوية
:
روايات وشواهد
:1- قال الأَصمعي:"والعرب لا تروي شعر أَبي دُاود وعدي بن زيد، وذلك أَن أَلفاظها ليست بنجدية "() . والعلماءُ كانوا يريدون ( بنجد ) عند إطلاقها – تميمًا، فكأن الأَلفاظ التميمية هي القياس والحكم على اللغة .
2- يرى سيبويه في ( ما ) الحجازية والتميمية " أَن الحجازية أكثر استعمالاً وإِن كانت التميمية أَقوى قياسًا "، ويصف الفراء لهجتهم في كتاب ( معاني القرآن ) بأَنها أَقوى الوجهين في العربية(). ومما يحسن الإِشارة إِليه ما روي من أن رجلاً طلب من محبوبه أَن ينتسب إِلى قبيلته، فلم يجبه وإِنما أَشار إليه بأثر لهجي يفهم منه قبيلته –تظرفًا - في قوله:
ومُهفهفِ الأَعطاف قلت له انتسبْ فأَجاب ما قَتْل المحب حرام
()
فأَفاد بأَنه من تميم، لأَنها ترفع خبر
( ما ).
3- وكثيرًا ما كان يجتمع السماع والقياس والإِجماع على تأَييد لغتهم() .
4- أَن أَبا زيد الأَنصاري كان يطـوف في قبائل تميم وفروعها إِذا حزبه أَمر لغويّ، فلا يسأَل إلا هذا الحيّ من العرب، ولقد طاف مدة طويلة يسألهم عن باب ( فعل يفعل ) ليعرف ما كان منه بالضم أولى، وما كان منه بالكسر أولى() .
5- وكانت لهجتها لهجة عامة العرب، ذكر الأخفش أَن كل من ورد علينا من الأعراب لم يقل إِلا ( تِعلم ) بالكسر. قال: نقلته من نوادر أَبي زيد (). وهذه اللغة هي لغة تميم ... وعامة العرب، كما زعم سيبويه () .
6- اقتبس السيوطي في المزهر جانبًا من نوادر يونس بن حبيب 182هـ، كما أَورد عدة اقتباسات من نوادر أَبي محمد اليزيدي 202 هـ ، وجميعها تشير إِلى مقابلة الصيغ بين الحجاز وتميم على مستويات مختلفة، وهذه المقابلة تؤكد أَن تميمًا تقف في وجه الحجاز في ثبات وقوة، كما نلمح إشارات تصف لهجة تميم في بعض الصيغ بأَنها لهجة " سائر العرب "() .
مكانة اللهجة بين اللهجات العربية
:1- مما يقوي مكانة تميم في العربية ما جاءَ في حديث() رسول الله ( e ) من أَنه ورد عليه الوفود، فأَقرأَ الأَخماس() كلّ خمس على لغته، فكان أَعرب القوم تميم .
2- يقول ابن العلاءِ: "أَفصح الناس عليا تميم ..." ()وفي رواية"سفلى تميم() ".
3- وذكرت تميم في قائمة القبائل التي اعتمد عليها الرواة في مادة اللغة و"عنهم أكثر ما أخذ ومعظمه، وعليهم اتّكل في الغريب، وفي الإِعراب والتصريف "().
4- وذكر ابن عطية أَن تميمًا من القبائل التي نزل القرآن الكريم بلغتها() ، وقال جمال الدين بن مالك : بأَن القرآن نزل بعضه بلغة تميم، وساق آيات وافقت لهجة تميم في الإدغام والاستثناءِ ().
5- وروايات ترى أَن التميميين كانوا مرجعًا في التشريع اللغوي كرؤبة والعجاج وأُمّ الهَيْثم وعلقمة الفحل، إذ كانوا يرتجلون أَلفاظًا لم تسمعها العرب، من ذلك :
(أ) جاءَ في أَمالي القالي: أَن الكِتْر: السّنام، قال علقمة التميمي:
كِتْر كَحَافةِ كِير القيْن ملمومُ
()
وعلق الأَصمعي بقوله
: " ولم أَسمع ( بالكِتْر ) إِلا في هذا البيت " فهي من مبتكرات تميم .
(ب) ما جاء عن ابن دريد من قوله: " ويقال: فلان ابن جلا – أَي ابن المكشوف الواضح، وابن أَجلى – لم يجئ به غير العجاج وحده، وهو مثله، وساق شاهدًا() شعريًّا للعجاج التميمي. والعجاج هنا مشرع لغوي، وهذا التشريع مقبول منه؛ لأَنه حجة ثقة " فإن الأَعرابي إذا قويت فصاحته وسمت طبيعته، تصرف وارتجل ما لم يسبق إِليه" ().
(ج) ونستشف من خبر ساقـه صاحب العقد الفريد() ، وابن دريـد في كتابه الملاحن() – أسلوبًا تميميًّا أَشبه بالرّمز والإِيماء أَو لغة ( الشَّفْرة ) () تلك التي لا يُهتدى إِليها إِلا بحلّ رموزها، وقد اعتمد الخبر في تحقيق غرضه على تشويه الكلمات دلاليًّا، وانتقال مجال الدلالة، وتطورها ضيقًا وسعة .
6- آراء نادى بها المستشرقون ومنها: أَن الفصحى تولدت من إِحدى لهجات نجد(). وأَكبر قبيلة كانت تسكنها قبيلة تميم وبطونها وفروعها .
والآن، وبعد أَن عرضنا طرفاً مما قاله اللغويون وعلماء العربية عن لهجة تميم أرى أَن نستشير لغة الإِحصاء لنلمس مدى شيوعها وانتشارها، وسنعرض إِحصائيات – تمثل جانبًا كبيرًا من علوم العربية ومصادرها – بين أَقوى لهجتين في العربية وهما: الحجاز وتميم:
لهجة الحجاز
لهجة تميم
اسم الكتاب
لهجة الحجاز
لهجة تميم
اسم الكتاب
مرة
3
مرة
8
(17) الأفعال لابن القطاع 510هـ
مرة
26
مرة
28
(1) كتاب سيبويه 180هـ
15
22
(18) شرح شافية ابن الحاجب للرضي 688هـ
29
33
(2) شرح السيرافي 368هـ
1
1
(19) الإبل للأصمعي 216هـ
24
31
(3) شرح المفصل لابن يعيش 643هـ
4(1)
4
(20) النخل للأصمعي
20
27
(4) شرح التصريح لخالد الأزهري 905هـ
2
2
(21) التذكير والتأنيث لأبي حاتم السجستاني 255هـ
24
28
(5) همع الهوامع للسيوطي 911هـ
1(2)
1
(22) الرجل لابن قتيبة 276هـ
20
27
(6) شرح الأشموني 929هـ
16
11
(23) معاني القرآن للفراء 207هـ إلى آخر سورة الزمر
9
18
(7) الخزانة للبغدادي 1093هـ
1
1
(24) مجاز القرآن لأبي عبيدة 210 هـ إلى آخر سورة الزمر
12
14
(8) جمهرة اللغة لابن دريد 321هـ
-
6
(25) مختصر شواذ القرآن لابن خالويه 370هـ
38
39
(9) المخصص لابن سيده 458هـ
7
11
(26) المحتسب لابن جني 392هـ
110
11
(10) لسان العرب لابن منظور 711هـ
97
117
(27) البحر المحيط لأبي حيان 745هـ
-
4
(11) النوادر في اللغة لأبي زيد 215هـ
8
15
(28) الكافية (3)لابن مالك 672هـ
6
13
(12) إصلاح المنطق لابن السكيت 244هـ
-
3
(29) ألفية ابن مالك
7
10
(13) الأمالي للقالي 356هـ
1
3
(30) ألفية المختار ابن بونة
49
58
(14)المزهر للسيوطي911 هـ
1
1
(31) عقد الجوهرة في الأسماء المؤنثة والمذكرة نظم الإمام عبد الرحمن بن الحسن
2
2
4
4
(15) شرح ديوان الحماسة للمرزوقي 421هـ
(16) شرح ديوان الحماسة للتبريزي 502هـ
مجموعة
شروح الأشعار
وهذه الإحصائيات تؤكد شيوع لهجة تميم وكثرتها في الجزيرة العربية حتى إِبان نزول الوحي() .
ونستشير الآن لغة الإِحصاء مرة أخرى لنسمع رأيها في لهجة قريش ومدى شيوعها وانتشارها فتجيب بأَن عدد ورود هذه اللهجة القرشية هي:
لغة الإحصاء تتكلم عن لهجة قريش
:
عدد ورود اللهجة
اسم الكتاب
-
(32) كتاب سيبويه ……………………
1
(33) النوادر في اللغة لأبي زيد …………
-
(34) شرح السيرافي …………………
2
(35) المخصص لابن سيده …………
2
(36) شرح المفصل لابن يعيش
-
(37) شرح الشافية للمحقق رضي الدين …
8
(38) لسان العرب لابن منظور …………
24
(39) البحر المحيط لأبي حيان …………
-
(40) الهمع للسيوطي …………………
1
(41) خزانة الأدب للبغدادي ……………
وبمقارنة لهجة قريش هذه بلهجة تميم فيما سبق بيانه يتضح أن مجموع لهجات تميم
662 لهجة، والحجاز 535 لهجة، وقريش 38 لهجة، وتكون النسبة التقريبية بين هذه القبائل هي :
تميم
: الحجاز : قريش
6
,6 : 5.4 : 0.4
وهذه النسبة تؤكد شحوب لهجة قريش في هذه المصادر وضآلتها، بل أَحيانًا يصل هذا الشحوب إِلى الاضطراب والتناقض
.
الاضطراب في عزو اللهجة بين قريش وغيرها من القبائل
:
1- (
اجْتَبيْتَها()):أَتيتها – بلغة قريش()– وفي كتاب الدميري()عزيت لثقيف.
2-( لأَحْتنِكَنَّ() ):لأَستأَصلنَّ، بلغة قريش، وفي الدّميري() بلغة الأَشعريين .
3- ( ولا هَضْمًا() ): نقصًا، بلغة قريش، وفي الدميري() بلغة هذيل .
4- ( لوَّاحَة للبشر() ): حرّاقة، بلغة قريش، وفي الدميري() بلغة أَزْد شَنوءة .
ومن هذا يتضح لنا مقدار ما أصاب اللهجة القرشية من الاضطراب والقلق والتخلخل، ومما ساعد على هذا أن الرواة كانوا دائمًا يخلطون بين لهجة الحجاز ولهجة قريش، وينظرون إِليهما على أَنهما لهجة واحدة، ومن ذلك
:
1- ( أَسْرَيْت ) لغة قرشية كما في الكامل(). وفي المصباح()، واللسان: للحجاز .
2- ( قرِرْت ) بالمكان أَقرّ – عزاها الكسائي في الغريب المصنف إِلى الحجاز، وعزاها أَبو حيان في البحر المحيط() إِلى قريش .
3- ( ذلك وتلك ) عزاها الفراء في معاني القرآن() لغة لقريش ، وعزاها الأَشموني() إِلى الحجاز. والحق أَن لهجة قريش تختلف إِلى حد ما عن اللهجات الحجازية الأخرى؛ لاختلاف مجتمعها، بل نرى أَبعد من ذلك ، إِذ نجد فرقًا في اللهجة بين قريش ( البطاح ) وقريش ( الظَّواهر ) ومما يساعدنا على هذا الفهم ما لمحه صاحب الإِتحاف() حيث يقول: ( بين الصّدفين ) بضم الصاد والدال لغة قريش وبها قرأَ ابن كثير وأَبو عمرو وابن عامر ويعقوب، وبفتحهما – لغة الحجاز، وهذا يوضح ما وقع فيه الرواة من خطأ منهجي .
استدراك على اللوحات الإِحصائية
:
في بعض المصادر وجدتُ أَن لهجات اليمن وحمير قد فاقتا لهجة تميم والحجاز
– بالرغم من المكانة السامية لهاتين اللهجتين – ففي مؤلفات نشوان الحميري، والهمداني، وابن دريد قد بلغت لهجات اليمن وحمير (42) لهجة، في كتاب ( منتخبات في أخبار اليمن من كتاب شمس العلوم، ودواء كلام العرب من الكلوم ) لنشوان الحميري ت 573هـ ، كما بلغت في جمهرة اللغة لابن دريد 227 لهجة، وكذلك الهمداني 334هـ في (الإِكليل)، كما لوحظ على ديوان الحماسة لأَبي تمام شرح المرزوقي أَن لهجة طَيِّئ كانت لها الصدارة ثم تلتها تميم فالحجاز. والشبهة تزول عندما نعلم أَن المؤلفين السابقين وقعوا تحت تَأْثير العاطفة القبلية اليمنية، فكان لابد من أَن تدور أَلفاظ هذه المؤلفات في فلك تاريخ اليمن ولغاته وحضاراته، كما أَن أَبا تمام قد اختار أَكثر شعراء الحماسة من قبيلة طيِّئ ، لأَنه منها. والرقعة الجغرافية والمناخ الفكري أَكثر ما يحددان اللهجات كمًّا وكيفًا .
أَدلَّة تؤكد لغة الإِحصاء في انتشار اللهجة التميمية
:
أَولاً
: انتشار اللهجة التميمية مرده إلى أَنهم كانوا على صلة بالحضارة الحيرية، كما كانوا على صلة بالآراميين والفرس والأَسواق الأَدبية الشرقية، فتأَثروا بها، وشاركوا في الحركات الثقافية المختلفة، فسجلوا نشاطهم اللغوي، ونظامهم الشعري، وبقي هذا النشاط التسجيلي قويًّا حتى جاء الإسلام فرحل إِليهم الرواة واللغويون، وسجلوا ما سمعوه من أَفواه تميم، حتى لهجات النساء التميميات(). بعكس الجانب الحجازي الذي كان منصرفًا عن جمع التراث، فبقيت ثقافته راكدة جامدة؛ لأَن البيزنطيين لم يعنوا بتشجيع عرب الغرب على بعث تراثهم وتسجيله؛ إِذ كانت سياستهم مادية نفعية() . أَضف إِلى ذلك أَن حاضرة الحجاز لم تدخل دائرة القبائل التي عنها أَخذ اللسان العربي، وبهم اقتدى، وعليهم اتَّكل في الغريب والتصريف، لأَن الذين نقلوا اللغة صادفوهم حين ابتدءوا ينقلون لغة العرب قد خالطوا غيرهم من الأمم وفسدت أَلسنتهم() .
ثانيًا
: أَثبتنا أن ظواهر لهجية عديدة عزيت في الروايات والنصوص لشعب كبير كمضر، لكنني بعد البحث والدرس حملتها على لهجات تميم()، اعتمادًا على أَن تميمًا في عرف علماء الأَنساب هي الممثلة لمجموعة مضر.
ثالثًا
: إِن بعض ظواهر لهجة تميم كانـت منتشرة في الجزيرة انتشارًا أَكثر مما حددته الروايات التقليدية، وأَوسع مما أَدركه علماء العربية:
(أ) فمثلاً ظاهرة العنعنة حددتها الروايات بأَنهـا إِبدال الهمزة عينًا من ( أَن ) المفتوحة الهمزة، وهدفها الحرص على تحقيق الهمزة خشية أَن يجور عليها بدء النطق أَو الوقف، فيقوون الهمزة إلى أَن تقارب العين، وباستعراض النصوص على تلك الظاهرة نرى أَن هذا الإِبدال الذي قيِّد بكونه في (أَن) المفتوحة إِذا وقعت بعدها النون لا يثبت أَمام النصوص؛ لأَن الظاهرة وجدت في ( أَن ) وفي غيرها، بل في وسط الكلمة وفي آخرها معزوة إلى تميم() . ومما يؤكد ذلك وجود هذا الإِبدال في الحبشية وفي الأَصل السّامي في الأَول والوسط والآخر، وبهذا الفهم تكون ظاهرة العنعنة قد غطت مساحات جغرافية شاسعة من الجزيرة العربية، ومساحات أَوسع مما قدره لها اللغويون في المعجم العربي .
(ب) وبهذا الإِدراك والعمق يمكن أَن ندرس ظواهر تميمية كثيرة: كظاهرة الهمز والإدغام والإمالة حيث ثبت بالدراسة أَنها شملت مناطق حجازية، ومساحات جغرافية أَوسع مما جاء في المصادر من روايات تقليدية :
1- فالمعروف أَن القسم الشرقي الممثل في تميم يميل، ولكن الظاهرة اتسعت حتى رأَينا بعض الإمالة قد عزي إلى المناطق الغربية من الجزيرة كالحجاز()، كما ثبت بالسماع أَن أَهل الحجاز يميلون الأَلف للكسرة()، ويطالعنا سيبويه في عدة أَماكن من كتابه() بنسبة بعض أَحوال الإِمالة إِلى الحجاز كإِمالة نحو: خاف وطاب، كما نرى في هذه المناطق الغربية إِمالة من نوع آخر وهي إِمالة الفتح إِلى الضم ، وكانت اليمن أَيضًا تميل مثل هذا، ولم تكن الحجاز وحدها في اتساع دائرة الإِمالة حتى شملت طائفة كبيرة من الكلمات، وإنما شاركتها خزاعة وكانت منازلها في مكة، وبنو سعد حضنة الرسول علية الصلاة والسلام، كما سار على هذا المهيع في الإِمالة قضاعة، وقد تنقلت هذه القبيلة إِلى الشّحر ونجران والحجاز والشام، وكلما ظعنت من مكان إلى آخر حملت معها بذور هذه الظاهرة؛ ولهذا كان من الممكن أن نربط بين الإمالة الغامرة اليوم في سوريا وبين قضاعة المميلة، والتي كان لها ذات يوم سلطان على الشام، كما أَن العلاقة كانت قوية بين إقليم نجد- ونجد أَصحاب إِمالة- () وإِقليم الشام ...
فإذا تركنا الشرق واتجهنا إلى الغرب وجدنا إِمالة في الأندلس
()، والشبه قائم بين الشام والأَندلس؛ حيث كانوا يسمون ( غرناطة ) بدمشق لا لشبهها الجغرافي الشديد بدمشق – وهي بالفعل أَشبه البلاد بها – بل لأَن العنصر الدمشقي كان غالبًا فيها() ، ومما يزيد الصلة توثيقًا بين القطرين أَن العرب في أَسبانيا كانوا على مذهب الإِمام الأَوزاعي إِمام أَهل الشام، مما يشير إلى أَن السّواد الأَعظم من العرب الذين فتحوا أَسبانيا كانوا من أهل الشام .
كما حلقت الإمالة بجناحيها في رقاع جغرافية شاسعة شملت
: ليبيا ومصر وغيرهما .
2- وما قيل في الإمالة يقال في الإِدغام، وهو في الأَصل ظاهرة تميمية، ولكنه انتشر في أَجزاء من الجزيرة العربية: شرقيها: كعُقَيل، وعامر بن صَعْصَعة، وبني عِجْل، وبكر بن وائل ، وبَلْعَنْبر، وبني سعد بن زيد. وغربيها: فقد جاء الإِدغام على لسان النبي() ( e) وابن عباس() وكثير من قراء مكة والمدينة()؛ ولذلك كان هو اللغة الرسمية السائدة التي تلقفها القرآن الكريم؛ لأَنه ظاهرة راقية تهدف إِلى الوصول بالكلمة إِلى أَقصى درجات الخفة والسّهولة؛ ولهذا يقول أَبو عمرو: " الإِدغام كلام العرب الذي يجري على أَلسنتها ولا يحسنون غيره "() .
ومن أجل هذا عبر الإِدغام القرون حتى وجدنا صداه في لهجاتنا الحديثة، فنحن نقول
: قالَّك ، جعل لَّك، حدَّتُّهم في ( حدثتهم ). وهذا يقوي الربط بين الخالفين والسالفين، ويمهد لدراسة ( ديناميكية ) للهجة عبر التاريخ الطويل .
3- كذلك انتشرت ظاهرة الهمز – وهي تميمية – في بقاع كثيرة من الجزيرة بما فيها البيئة الحجازية، فقد همزت بيئة مكة بعض الصيغ، مع أَن طبيعتها النفور من الهمز، ولعل السبب في همزها أَنهم - وهم أهل تسهيل - شعروا بالنقص، فحققوا هذه الصيغ كردّ فعل لإِحساسهم بشعور النقص في الظاهرة العامة عندهم وهي تسهيل الهمزة، بل كثيرًا ما كانوا يعاملون همزة الوصل كأَنها همزة قطع؛ مبالغة منهم في تحقيقها، كما انتشر الهمز في بيئة الحجاز على أَلسنة القراء() حتى اقتحم حصون الفصحى نفسها، وأَصبح من مميزاتها، بل بالغ العرب فيه حتى همزوا ما ليس أَصله الهمز(). وكان عالم العربية عيسى بن عمر الثقفي يؤثر نطق تميم ويقول :" … ما آخذ من قول تميم إِلا بالنبر" ()، كما كانوا يقرنون النبر بالفصاحة، ففي اللسان:" ورجل نبار: فصيح الكلام " ().
رابعًا
:كما أَن كثيرًا من الظواهر اللهجية والتي يمكن أَن تنسب لتميم قد عزيت إِلى غيرها من القبائل خطلاً أَو خطأً:
فالمثال الواوي ليس في كلام العرب منه
( فعَل يفعُل ) بفتح العين في الماضي وضمها في المضارع إِلا حرفًا واحدًا ذكره سيبويه وهو ( وجد – يجد ) ولم يعزه سيبويه لقبيل مـن العرب. وقـد عزاه الرضي إلى بني عامر() وكذلك الفـارابي()،
والفيومي()، واللسان ()، وصاحب التصريح ()، والسيوطي()، وصاحب التاج في مادة ( وجد ) يعزوه إلى لبيـد العامـري، وفي مادة ( نقع ) من المصدر نفسه، يستشهد بالظاهرة ويسوق شاهدًا يعزوه إِلى جرير وهو :
لو شئت قد نقع الفؤاد بشربة يدع الصَّوادي لا يجُدْنَ غليلا
وأَمام هذا القلق رجعت إِلى ديوان لبيد العامري فلم أَجد الشاهد السابق فيه، فأَيقنت أَن الظاهرة اللهجية ليست لبني عامر، بل عثرت في ديوان لبيد العامري على عكس الظاهرة في قوله :
فإِن لم تجِدْ من دون عدنان والدًا ودون معدٍّ فَلتَزعْك العواذل
()
بكسر الجيم من
( تجد ) ، ووجدت الشاهد في ديوان() جرير ( التميمي ) .
وأُرجح أَن الذي جر الرواة والعلماء إِلى الوهم في عزو الظاهرة إِلى بني عامر، أَن ابن عامر قرأَ بها في سورة النساءِ ()( ولا يجد لهم .. ) بضم الجيم() ، فظنوا أَنه من بني عامر ، ولكنه يَحْصُبيّ يمني() .
شبهة وردها
:ولكن قد يقف في طريق هذه الإِحصائيات، التي تشير إِلى انتشار اللهجة التميمية وقوتها في الجزيرة العربية، ما ورد من ربط بين لهجة الحجاز وقريش وبين اللهجة التي نزل بها القرآن الكريم من جانب، اعتمادًا على بعض روايات الإِخباريين()، وكذلك الربط بين الحجاز وقريش وبين الفصحى من جانب آخر، وأَن لهجة قريش كانت تجتبي- أًي تختار – أَفضل لغات العرب حتى صار أَفضلَ لغاتها لغتُها فنـزل القرآن بها()، وأَنهم أَفصح العرب أَلسنة وأَصفاهم لغة، وأَغلب هذه الروايات جاءَ عن طريق قتادة ت 117هـ ، وقد وصف بأَنه مدلّس ولا يجوز الأَخذ عنه() ، وأَن سند بعض هذه الروايات ضعيف؛ لأَن بعض رجاله لم يلتقوا في حياتهم بمن حدثوا عنهم.
وربما اعتمدوا في ذلك على الاحتجاج بقوله تعالى: ]وما أَرسلنا من رسول إِلا بلسان قومه [ () فلما كان قوم الرسول هم قريش كان نزول القرآن بلهجتهم، والذي أُرجحه أَن القومية في الآية عامة تشمل العرب جميعًا، بدليل قوله تعالى:]وهذا لسان عربي مبين [ () .
وقد اعترف القرآن بعربيته لا بقرشيته عشر مرات
(يوسف آ:2 – الرعد آ: 37 النحل آ : 103 – طه آ : 113 – الزمر آ : 28 – فصلت آ : 3– الشورى آ : 7 – الزخرف آ : 3 – الأَحقاف آ : 12 – الشعراءَ آ : 195 ) يؤيد ذلك ما جاءَ في الحديث :" أُرسل كل نبي إلى أُمته بلسانها "() والذين أُرسل إِليهم الرسول هم العرب فيجب أَن يكون القرآن وهو رسالته بلسانهم .
وقد وردت روايات أُخرى تعارض ما سبق وتؤكد أَن القرآن نزل بلغات أُخرى غير لغة قريش، وأَن القرآن حوى خمسين لغة()، وأَنه كما نزل بلغة الحجازيين نزل بلغة التميميين، وأَن كثيرا من القبائل العربية قد اشتركت في لغته()، كما وردت روايات تعزو الفصاحة إِلى قبائل عربية غير قرشية ومن هذه القبائل: عليا تميم وسفلاها() .
ونخرج من هذه الروايات والأَخبار المتضاربة على أَن الفصاحة لم تكن خاصة في قريش، وأَن القرآن لم ينـزل بلهجتها وحدها، بل تبلورت جميع اللهجات فيه
. فحولها إِلى عصارة نافعة غذت العربية فكانت لحمتها وسداها، وبهذا مثَّل القرآن اللغة الفصحى بين العرب جميعًا() وبها تحدى الخطباء اللّدن، والفصحاء اللّسن ]أَن يأْتوا بسورة من مثله[ ().
وأَخيراً
: فإن ما جاءنا من لهجة تميم يعد من أكثر ما جاءنا عن سائر لهجات القبائل العربية.
فقد أَمدّت العربية بروافد غنية – على جميع المستويات: الصوتية والدلالية والمعجمية والتركيبية – لا ينقطع مددها ولا ينضب معينها .
وقد اعتمدنا في تحديد أَبعاد اللهجة ومسارها، ورسم مواقعها وحدودها على لغة الإِحصاءِ، وهي المنهج العلمي الحديث الذي يعتمد عليه في إِظهار الحقائق وتقويمها، ولم نقع تحت تأْثير رواية من الروايات التقليدية السابقة، والتي نرى أَن السياسة صاغتها حينًا، والعصبية أَحيانًا، والغيبيات أَحيانًا أُخرى .
وبعد هذا يمكن أَن ننتقل إِلى دراسة نَصِّيَّة لقبيلة تميم .
* * *
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق